أبي بكر الكاشاني

144

بدائع الصنائع

الثاني جائزة كما إذا كفل بما يذوب له على فلان ونحو ذلك لان الارتهان استيفاء من وجه للحال ولا شئ للحال يستوفى واستيفاء المعدوم محال بخلاف الكفالة ولان الرهن والارتهان لما كان من باب الايفاء واستيفاء أشبه البيع فلا يحتمل الإضافة إلى المستقبل كالبيع ولان القياس يأبى جواز هما جميعا لان كل واحد منهما يستدعى مضمونا الا أن الجواز في الكفالة لتعامل الناس ولا تعامل في الرهن فيبقى الامر فيه على أصل القياس وبخلاف ما إذا دفع إلى إنسان رهنا ليقرضه ان الرهن يكون مضمونا وإن كان ذلك رهنا بما ليس بمضمون في الحال لان له حكم المضمون وان لم يكن مضمونا حقيقة لوجود القبض على جهة الضمان والمقبوض على جهة شئ بمنزلة المقبوض على حقيقة كالمقبوض على سوم الشراء ولم يوجد هنا ولو قال لاخر ضمنت لك مالك على فلان إذا حل يجوز أخذ الكفيل والرهن به ولو قال إذا قدم فلان فانا ضامن مالك عليه لم يجز أخذ الرهن به ويجوز أخذ الكفيل والفرق ان في المسألة الأولى الكفالة والرهن كل واحد منهما أضيف إلى مضمون في الحال لان الدين المؤجل واجب قبل حلول الأجل على طريق التوسع وإنما تأثير التأجيل في تأخير المطالبة بخلاف الرهن بضمان الدرك لأنه لا مضمون هنالك للحال ولا ماله حكم المضمون بخلاف ما إذا قال إذا قدم فلان فانا ضامن مالك عليه لان ذلك تعليق الضمان بقدوم فلان فكان عدما قبل وجود الشرط فلم توجد الإضافة إلى مضمون للحال فبطل الرهن وصحت الكفالة لأنها لا تستدعى مضمونا في الحال بل في الجملة على ما مر وأما المختلف فيه فهو ان الشرط كونه مضمونا ظاهرا وباطنا أو كونه مضمونا من حيث الظاهر يكفي لجواز الرهن ذكر محمد في الجامع ما يدل على أن كونه مضمونا في الظاهر كاف ولا يشترط كونه مضمونا حقيقة فإنه قال إذا ادعى على رجل ألفا وهي قرض عليه فجحدها المدعى عليه ثم إنه صالح المدعى من ذلك على خمسمائة وأعطاه بها رهنا يساوى خمسمائة ثم تصادقا على أن ذلك المال كان باطلا وانه لم يكن للمدعى عليه شئ ثم هلك الرهن في يده كان على المرتهن أن يرد على الراهن خمسمائة لان الدين كان ثابتا على الراهن من حيث الظاهر ألا ترى أنهما لو اختصما إلى القاضي قبل أن يتصادقا ان القاضي يجبر المدعى عليه على ايفاء الخمسمائة فكان فهذا رهنا بما هو مضمون ظاهرا فيصح يدل عليه أن الرهن بجهة الضمان جائز على ما ذكرنا فلان يجوز بالضمان الثابت من حيث الظاهر أولى وروى عن أبي يوسف انه لا يضمن شيئا لأنها لما تصدقا على أنه لم يكن عليه شئ تبين ان الرهن حصل بما ليس بمضمون أصلا فلم يصح وكذا ذكر في الجامع إذا اشترى من رجل عبدا بألف درهم وقبض العبد وأعطاه بالألف رهنا يساوى ألفا فهلك الرهن عند المرتهن ثم قامت البينة على أن العبد حر أو استحق العبد من يده يهلك مضمونا لان الألف كانت مضمونة على الراهن ظاهرا فقد حصل الارتهان بدين مضمون عليه من حيث الظاهر فجاز وكذا لو اشترى شاة مذبوحة بعشرة دراهم أو اشترى دنا من خل وأعطاه بالثمن رهنا فهلك الرهن ثم علم أن الشاة ميتة والخل خمر فالرهن مضمون لما قلنا وكذا لو قتل عبد انسان خطأ وأعطاه بقيمته رهنا ثم علم أن العبد حر كان المرهون مضمونا بالأقل من قيمته ومن قيمة العبد لما ذكرنا وعلى قياس ما روى عن أبي يوسف ينبغي أن لا يضمن في هذه المسائل أيضا لأنه تبين ان الارتهان حصل بما ليس بمضمون حقيقة فلم يصح ولو ادعى المستودع أو المضارب هلاك الوديعة أو المضاربة وادعى رب المال عليهما الاستهلاك وتصالحا على مال وأخذ رب المال بالمال رهنا من المستودع فهلك عنده ثم تصادقا على أن الوديعة هلكت عنده يضمن المرتهن عند محمد وعند أبي يوسف لا يضمن وهذا الاختلاف بناء على اختلافهم في صحة الصلح فعند محمد لما صح الصلح كان رهنا بمضمون من حيث الظاهر فيصح وعند أبي يوسف لما لم يصح فقد حصل الرهن بما ليس بمضمون حقيقة فلم يصح ( ومنها ) أن يكون محتملا للاستيفاء من الرهن فإن لم يحتمل لم يصح الرهن به لان الارتهان استيفاء وعلى هذا يخرج الرهن بالقصاص في النفس وما دونها انه لا يجوز لأنه لا يمكن استيفاء القصاص من الرهن ويجوز الرهن بأرش الجناية لان استيفاء من الرهن ممكن فصح الرهن به وعلى هذا أيضا يخرج الرهن بالشفعة انه لا يصح لان حق الشفعة لا يحتمل الاستيفاء من الرهن فلم يصح الرهن به وعلى هذا